حين تعود المدرسة إلى قلب المجتمع

يدخل الطالب إلى الصف، لا يحمل حقيبته فقط، بل يحمل على كتفيه قلقًا لا يُرى. نظراته شاردة، صوته عالٍ على غير عادة، أو ربما صامت تمامًا. تنفجر غضبته لأتفه الأسباب، أو يتراجع إلى زاوية المقاعد الخلفية هربًا من أي تفاعل.
في هذا المشهد الذي يتكرر يوميًا في مدارسنا، نطرح سؤالًا بسيطًا:
هل ما نراه داخل الصف هو حقًا مشكلة مدرسية؟ أم أنّ المدرسة أصبحت مرآة تعكس ما يحدث خارج جدرانها؟

العنف المدرسي كمرآة مجتمعية

رغم كل الجهود التي تبذلها الإدارات والمعلمات والمربين، غالبًا ما تبقى المدرسة محاصَرة بين المناهج والامتحانات والعقوبات.
لكن ما يغيب عن المدرسة  بالفعل هو المساحة الآمنة لفهم السلوك بدلًا من معاقبته، الإصغاء بدلًا من التوبيخ، والاحتواء بدلًا من الطرد.

 

حين يُطلب من المعلم أن يكون مربيًا، ومرشدًا نفسيًا، ومنسقًا إداريًا، دون أن يُدعم هو نفسه، يصبح الضغط هائلًا، وتضيع النية التربوية خلف صراخ الصفوف.
وحين يُحصر الحديث عن العنف في ردود الفعل “ضرب، شتم، تكسير” نتجاهل الجذور العميقة: القلق، الغضب، فقدان الشعور بالانتماء.

 

المدرسة بحاجة إلى بنية تعترف بأن السلوكيات العنيفة ليست مجرد “تمرد”، بل صيحات ألم مكتومة، وأن إعادة تأهيل العلاقة بين الطالب والمدرسة لا تتم من خلال العقاب، بل من خلال الفهم، الدعم، وتعديل السياق الذي ينتج هذه السلوكيات.

ما الذي يغيب عن المدرسة؟

رغم كل الجهود التي تبذلها الإدارات والمعلمات والمربين، غالبًا ما تبقى المدرسة محاصَرة بين المناهج والامتحانات والعقوبات.
لكن ما يغيب عن المدرسة  بالفعل هو المساحة الآمنة لفهم السلوك بدلًا من معاقبته، الإصغاء بدلًا من التوبيخ، والاحتواء بدلًا من الطرد.

 

حين يُطلب من المعلم أن يكون مربيًا، ومرشدًا نفسيًا، ومنسقًا إداريًا، دون أن يُدعم هو نفسه، يصبح الضغط هائلًا، وتضيع النية التربوية خلف صراخ الصفوف.
وحين يُحصر الحديث عن العنف في ردود الفعل “ضرب، شتم، تكسير” نتجاهل الجذور العميقة: القلق، الغضب، فقدان الشعور بالانتماء.

 

المدرسة بحاجة إلى بنية تعترف بأن السلوكيات العنيفة ليست مجرد “تمرد”، بل صيحات ألم مكتومة، وأن إعادة تأهيل العلاقة بين الطالب والمدرسة لا تتم من خلال العقاب، بل من خلال الفهم، الدعم، وتعديل السياق الذي ينتج هذه السلوكيات.

المدرسة والمجتمع: علاقة غائبة ومقصيّة

في كثير من الأحيان، يتم التعامل مع المدرسة ككيان منفصل عن محيطه الاجتماعي، وكأنها جزيرة منعزلة داخل الحي. لكن الحقيقة أن المدرسة لا يمكن أن تنجح في وظيفتها التربوية من دون الانفتاح على المجتمع المحيط بها.

 

الأهل، الجمعيات، البلديات، المراكز الثقافية، روّاد الأحياء… جميعهم أطراف تمتلك إمكانيات ومهارات وتجارب قادرة على دعم المدرسة وتوسيع أثرها. لكن هذه الروابط غالبًا ما تُهمل أو تُختزل في اجتماعات سريعة، أو دعوات رسمية لا تبني علاقة ثقة حقيقية.

 

حين تُفتح أبواب المدرسة للمجتمع، تتحول من مكان للتعليم فقط إلى مساحة للتربية، والرعاية، والانتماء. يمكن لمزارع في الحي أن يزرع حديقة المدرسة مع الطلاب، ويمكن لفنان أن يرسم معهم جدارية عن أحلامهم، ويمكن لأمّ أن تنقل تجربتها في التعلّم المتأخّر. هكذا تصبح المدرسة امتدادًا للحياة، لا انقطاعًا عنها.

كيف نعيد المدرسة إلى قلب المجتمع؟

لا نحتاج إلى مشاريع ضخمة أو تمويلات ضخمة. أحيانًا، تبدأ التغييرات الكبيرة بخطوات بسيطة:

 

  • أن تُخصّص المدرسة ساعة أسبوعية مفتوحة للمجتمع،
  • أن تُشكّل لجنة محلية من الأهالي والمعلمات والتلاميذ،
  • أن تفتح قاعاتها لأنشطة فنية ورياضية خارج أوقات الدوام،
  • أن تدعو الجيران للمشاركة في ورش عمل ومناسبات تربوية.

 

الأمر لا يقتصر على مبادرات لطيفة، بل هو تحوّل حقيقي في وظيفة المدرسة. فحين يشعر الطفل أن المدرسة ليست فقط مكانًا للدراسة بل أيضًا للحياة، يخفّ العنف، وتزيد الرغبة بالتعلّم، ويعود التعليم إلى معناه الأساسي: بناء الإنسان.

المدرسة كمجتمع صغير قادر على الوقاية

حين تنجح المدرسة في بناء شبكة علاقات داعمة داخلها، تصبح أكثر من مجرّد مكان للتعليم؛ تصبح مجتمعًا صغيرًا يولّد الحصانة والتأثير.


هذه الحصانة لا تُصنع من خلال العقاب أو اللوائح الصارمة، بل من خلال:

 

  • الروابط الإنسانية اليومية بين الطلاب والمعلمين،
  • حسّ الانتماء الذي يشعر به الطفل حين يُنادى باسمه ويُسمع رأيه،
  • الفرص المتاحة للتعبير والقيادة والمشاركة، مهما كانت بسيطة.

 

المدرسة التي تنجح في أن تكون آمنة نفسيًا واجتماعيًا، تصبح محصّنة من العنف، ومؤهّلة لتأدية دورها في تقوية نسيج المجتمع. فهي تُربّي أجيالًا قادرة على التحمّل، على الإصغاء، وعلى بناء علاقات صحّية في البيت والحيّ والمجتمع.

 

من هنا، يأتي برنامج “مدرستي مجتمعي” ليعيد تعريف المدرسة، لا فقط كمكان للتعلّم، بل كنقطة ارتكاز لإعادة بناء النسيج الاجتماعي. ينطلق البرنامج من فهم عميق بأن مواجهة العنف لا تتم عبر حلول لحظية، بل عبر بناء وخلق بيئة داعمة تُشارك فيها كلّ مكوّنات المجتمع: الأهل، الطاقم التربوي، الطلاب، والحيّ.

يركز البرنامج على ثلاثة مستويات متداخلة:

  1. الحصانة النفسية للطلاب
    عبر تدريبات ممنهجة على التعبير عن المشاعر، الإصغاء، حل النزاعات، وضبط النفس وغيرها، يهدف البرنامج إلى منح الطلاب أدوات للتواصل والقيادة والمسؤولية.
  2. تمكين الطاقم التربوي
    يُزوَّد المعلمون بدعم مهني ونفسي يساهم في حصانتهم الشخصية واستقرارهم داخل المنظومة التربوية. بالاضافة الى تطوير ادوات تواصل تمكنهم من بناء علاقة بنّاءة مع الطلاب والاهالي. 
  3. إشراك الأهل وبناء الانتماء
    لا يكتمل التحوّل من دون إعادة وصل المدرسة بالبيت والحيّ. من خلال جلسات حوار بين الاهالي والمعلمون، يخلق البرنامج قناة تواصل دائمة تُعيد بناء الثقة بين جميع الأطراف، ما ينعكس مباشرة على سلوك الطلاب وإحساسهم بالأمان.

إن “مدرستي مجتمعي” لا يقدّم حلولًا سحرية، بل يراهن على بناء التغيير من الداخل، من خلال إعادة تشكيل العلاقات، وترميم الانتماء، وصناعة حصانة فردية وجماعية، تسمح بمواجهة جذور العنف، لا فقط مظاهره.

عودة المدرسة إلى قلب المجتمع

في زمن تتكاثر فيه الأزمات، لا يمكن للمدرسة أن تبقى مجرد صفوف ومناهج. برنامج “مدرستي مجتمعي” يعيد تعريف دورها: أن تكون شبكة أمان، ومساحة تواصل، ومنصة تغيير. فحين نُعيد وصل المدرسة بالمجتمع، نمنح أبناءنا ليس فقط الحق في التعلم، بل الشعور بالأمان والانتماء، وبأنهم مرئيّون ومسموعون، وقادرون على أن يكونوا جزءًا فاعلًا في مجتمعهم.

المدونات

قد يعجبك أيضاً

حين تعود المدرسة إلى قلب المجتمع

حين تعود المدرسة إلى قلب المجتمع

حين تعود المدرسة إلى قلب المجتمع يدخل الطالب إلى الصف، لا يحمل حقيبته فقط، بل يحمل على كتفيه قلقًا لا يُرى. نظراته شاردة، صوته عالٍ على غير عادة، أو ربما صامت تمامًا. تنفجر غضبته لأتفه الأسباب، أو يتراجع إلى زاوية المقاعد الخلفية هربًا من أي تفاعل.في هذا المشهد الذي يتكرر يوميًا في مدارسنا، نطرح سؤالًا…

من الألم الجماعي إلى الفعل الجماعي

من الألم الجماعي إلى الفعل الجماعي

من الألم الجماعي إلى الفعل الجماعي في لحظات الحرب، الغموض، والانقطاع… يبحث الإنسان عن شيء واحد: ألا يواجه كل ذلك وحده.   قد لا نملك أن نوقف القصف أو نُعيد من رحل،لكننا نملك أن نُمسك يدًا، نفتح بابًا، نعد وجبة، أو نقول: “أنا حدّك”.   الأزمات تُجرّدنا من الشعور بالسيطرة، لكنها تمنحنا مساحة نادرة لنكتشف…