لماذا تخلّيت عن فكرة تغيير العالم؟

ربما لا أستطيع تغيير العالم، لكنني في “مجتمعي بيتي” اكتشفت معنى آخر للتغيير 

دائمًا كنت أحلم بأنه عندما أكبر سأتمكّن من تغيير العالم، وأن أجعله مكانًا أكثر عدالة ومساواة. ربما لأنني، في طفولتي، كنت أؤمن أن الخير قادر على الانتصاردائمًا، تمامًا كما كانت تفعل بطلات أفلام الكرتون اللواتي كنت أشاهدهن بإعجاب وأتمنى أن أصبح مثلهن يومًا ما. 

 

لكن العالم خارج الشاشة لم يكن بسيطًا إلى هذا الحد. عند كل خبر عن حرب أو ظلم كنت أقف أمام الشاشة وأتساءل بصدق: كيف يمكنني أن أساعد؟ كيف يُمكن للإنسان أن يبقى متفرّجًا أمام هذا القدر من الألم؟  

 

ومع تكرار هذا الشعور، بدأت أتحرك من موقع المشاهدة إلى موقع الفهم، خطوة بعد أخرى، لأكتشف تدريجيًا حقيقة لم تكن سهلة، لكنها كانت ضرورية: لستُ بطلة خارقة، ولا أملك القدرة على تغيير العالم دفعة واحدة كما في الحكايات. أن هذا الإدراك لم يُطفئ الرغبة داخلي، بل غيّر اتجاهها. بدأت أبحث عن مساحات أصغر للفعل: تطوّع، مساعدة إنسان محتاج، خطوات بسيطة لربما تُحدث أثرًا داخليًا حقيقيًا.

 

مع الوقت، بدأت أفهم أن رغبتي في تغيير العالم مرتبطة في الاقتراب من الناس وفهمهم ومحاولة منح أصواتهم مساحة تُسمع. لهذا السبب اخترت دراسة الصحافة، لأنني رأيت فيها وسيلة لأكون أقرب إلى الحكايات التي لا يلتفت إليها أحد، وإلى الأشخاص الذين يبحثون عمّن يسمعهم فعلًا. 

 

وبعد التخرج، تقاطعت طموحاتي مع رؤية جمعية “حوار”، التي تؤمن بأن التغيير المجتمعي الحقيقي يبدأ من تعزيز لغة التواصل وبناء جسور التفاهم بين الأفراد، لتقترب هذه الرغبة من الواقع أكثر. وهنا بدأت أفهم المعنى العميق للعمل المجتمعي. ليس المطلوب أن نمتلك قدرات استثنائية، بل أن نكون حاضرين بما يكفي لنُحدث فرقًا في حياة الآخرين. حتى وإن لم تكن التجربة صحفية بالمعنى التقليدي، إلا أنها اقتربت من جوهرها الحقيقي الإنسان.  

 

اليوم أعمل كمركّزة في مشروع “مجتمعي بيتي”، حيث ألتقي بأشخاص مختلفين، وأستمع إلى دوافعهم لفتح بيوتهم للآخرين. وفي كل مرة، تتكرر الجملة نفسها بصيغ مختلفة:  نحن بحاجة إلى أن نجلس مع من نحب، أن نتحدث، أن نصغي، وأن نتعرّف إلى بعضنا بصدق. في إيقاع الحياة السريع والانشغالات اليومية، نكتشف كثيرًا أن أبسط اللحظات المشتركة قد تكون الأكثر عمقًا، وربما المرة الأولى التي نسمع فيها بعضنا حقًا. مع الوقت، أدركت أن العطاء لا يحتاج إلى مشاريع ضخمة أو أدوار استثنائية.  أحيانًا، يكفي أن نُهيّئ لقاءً بسيطًا ليخلق أثرًا أعمق مما نتوقع. أجمل ما في التجربة، تلك اللحظة التي عندنا ينتهي اللقاء، ويصلني شكر من أحد المضيفين.


في تلك اللحظة، أستعيد يقيني بأن ما نقوم به ليس عابرًا وأن التفاصيل الصغيرة قادرة على صنع أثر طويل المدى. ما زلت أؤمن بتغيير العالم، لكنني لم أعد أبحث عنه في القفزات الكبيرة بل في الخطوات الصغيرة التي يمكن لأي إنسان أن يبدأ بها. التغيير لا يبدأ دائمًا من المشاريع الكبرى، بل من التفاصيل الصغيرة التي نختار ألا نتجاهلها مثل حديث مع من نحب.  

بقلم: ريم مراد، منسقة إدارية بجمعية جوار

المدونات

قد يعجبك أيضاً

لماذا تخلّيت عن فكرة تغيير العالم؟

لماذا تخلّيت عن فكرة تغيير العالم؟

لماذا تخلّيت عن فكرة تغيير العالم؟ ربما لا أستطيع تغيير العالم، لكنني في “مجتمعي بيتي” اكتشفت معنى آخر للتغيير  دائمًا كنت أحلم بأنه عندما أكبر سأتمكّن من تغيير العالم، وأن أجعله مكانًا أكثر عدالة ومساواة. ربما لأنني، في طفولتي، كنت أؤمن أن الخير قادر على الانتصاردائمًا، تمامًا كما كانت تفعل بطلات أفلام الكرتون اللواتي كنت…

حين تعود المدرسة إلى قلب المجتمع

حين تعود المدرسة إلى قلب المجتمع

حين تعود المدرسة إلى قلب المجتمع يدخل الطالب إلى الصف، لا يحمل حقيبته فقط، بل يحمل على كتفيه قلقًا لا يُرى. نظراته شاردة، صوته عالٍ على غير عادة، أو ربما صامت تمامًا. تنفجر غضبته لأتفه الأسباب، أو يتراجع إلى زاوية المقاعد الخلفية هربًا من أي تفاعل.في هذا المشهد الذي يتكرر يوميًا في مدارسنا، نطرح سؤالًا…